السرطان

باحثون مايو كلينك وجامعة ستانفورد يبتكرون أول اختبار دم قادر على رسم خريطة لبيئة الورم، وهو ما يحسّن التنبؤ باستجابة العلاج

يتحدث الدكتور عادل شودري مع مريضة وزوجها في غرفة بالمستشفى.

روتشستر، ولاية مينيسوتا — توصل الباحثون في مايو كلينك وكلية طب جامعة ستانفورد إلى أول اختبار دم قادر على كشف النظام البيئي المعقد المحيط بالخلايا السرطانية، وهو ما يوفر طريقة أدق للتنبؤ بالمرضى المرجح استفادتهم من العلاج المناعي. تمثل نتائج الدراسة المنشورة في مجلة Nature، قفزة نوعية في مجال الطب الدقيق في علاج الأورام، وقد تساعد في توجيه القرارات العلاجية لأنواع متعددة من السرطان وخيارات علاجها.

يقول عادل تشودري، دكتور في الطب وحاصل على الدكتوراه، أستاذ طب الأورام الإشعاعي في مايو كلينك والمؤلف المشارك في الدراسة: "يُشكّل هذا الأمر تحولًا جذريًا، فحتى الآن، ظل تركيز الخزعات السائلة أو اختبارات الدم منصبًا بشكل شبه كامل على خلايا الأورام نفسها. ولأول مرة، يمكننا استخدام اختبار دم بسيط لفهم البيئة المجهرية للورم، وهو أمر بالغ الأهمية لمعرفة كيفية استجابة المرضى لعلاجات السرطان الحديثة".

الوصول إلى بيئة الورم ورسم خريطة لها

أحدث العلاج المناعي تحولًا في العناية بمرضى السرطان، ولكن ظل تأثيره محدودًا. فالأدوات المستخدمة حاليًا للتنبؤ باستجابة الورم، مثل اختبار عدد طفرات الحمض النووي في الورم ومستويات بروتينات معينة في الخلية السرطانية، ليست قادرة على التقاط القدر المطلوب من التفاصيل.

يقول الدكتور تشودري: "إحدى التحديات التي تواجهنا هي أن الأساليب القائمة لا تُظهر إلا ارتباطات متواضعة. فهي في جوهرها "بدائل للبدائل" ولا ترصد بشكل كامل ما يحدث داخل بيئة الورم".

ولسد هذه الفجوة، طرح الفريق البحثي سؤالًا مفاده: "هل بإمكاننا استخلاص صورة أوضح للبيئة المجهرية للورم من خزعة سائلة مأخوذة من دم المريض؟

ولبدء تحقيقهم، لجأ الباحثون إلى علم النسخ الجيني المكاني، وهو تقنية متطورة ترسم خريطة توضح تفاعل الخلايا المختلفة مع بعضها البعض داخل الورم. وبتحليل عينات الورم، حددوا تسعة أحياء خلوية مميزة، أو ما يُعرف بالأنماط البيئية المكانية، تمثل كل منها بيئة مناعية وسدويّة (أي الخلايا والبنى غير السرطانية المحيطة بالورم) فريدة.

ويوضح الدكتور تشودري قائلاً: "وبطريقة مشابهة كثيرًا لتحديد المواقع على الخرائط الجغرافية، تمكنا من تحديد هذه الأحياء الخلوية المتجاورة داخل البيئة المجهرية للورم. وتتشارك جميع أنواع السرطان التي خضعت للاختبار، والبالغ عددها 17 نوعًا، في هذه الأحياء، لكن بعضها يميل إلى أن ينشأ عند الحافة الفاصلة بين الورم والنسيج السليم، بينما يُكتشف البعض الآخر غالبًا في أعماق الورم. بعدها، أظهرنا أن بعض الأحياء، أو الأنماط البيئية المكانية، مرتبطة بنتائج البقاء على قيد الحياة والاستجابة للعلاج المناعي."

استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لإعداد اختبار دم بسيط

ولتحديد هذه الأحياء الورمية، تعاون الفريق مع آرون نيومان، حاصل على الدكتوراه، الأستاذ المساعد في علوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب جامعة ستانفورد والمؤلف المشارك لهذه الدراسة. فقد استحدث فريق نيومان أساليب لتحديد أماكن هذه الأحياء من عينات الورم، بالإضافة إلى إنشاء إطار عمل قائم على تقنية الذكاء الاصطناعي لاكتشاف هذه الأحياء في الدم.

وبإجراء عملية المثيلة، وهي إضافة علامات كيميائية على الحمض النووي تساعد على ضبط نشاط الجينات، على الحمض النووي الحر (الخالي من الخلايا) الذي تطلقه الأورام في مجرى الدم، توصل الباحثون إلى اختبار خزعة سائلة يوفر تفاصيل كاملة عن البيئة المجهرية للورم تتجاوز خلاياه السرطانية. وهو ما يعني أن سحب عينة دم، دون إحداث شق جراحي، هو كل ما يلزم لتحديد الأنماط البيئية المكانية للورم.

يقول الدكتور تشودري: "هذه هي المرة الأولى التي تمكنّا فيها من رسم صورة تفصيلية للبيئة المجهرية للورم على هذا المستوى من الدقة".

وفي دراسات شملت 1,300 مريض بأنواع مختلفة من السرطان، منها الورم الميلانيني، وسرطان الرئة والمثانة والمعدة، ارتبطت أنماط بيئية مكانية معينة ارتباطًا وثيقًا بنتائج العلاج. إذ تبين أن بعض هذه الأنماط مرتبط بارتفاع احتمالية الاستجابة بشكل إيجابي للعلاج المناعي، بينما ارتبطت أنماط أخرى بمقاومة العلاج وانخفاض معدل البقاء على قيد الحياة. على الجانب الآخر، أظهرت المؤشرات الحيوية القياسية قوة تنبؤية متدنية.

تعزيز القرارات العلاجية وتجنب الآثار الجانبية

إن القدرة على التنبؤ بالاستجابة للعلاج المناعي قبل بدء العلاج يمكن أن يكون له تأثير سريري فوري.

وذلك نظرًا لأن علاج السرطان يستغرق الكثير من الوقت وينطوي على العديد من الآثار الجانبية الشديدة. وبتحديد المرضى الذين يُتوقع عدم استفادتهم من العلاج المناعي قد يتمكن اختصاصيو الرعاية السريرية من اختصار الوقت بانتقاء علاجات بديلة فعالة في وقت مبكر.

يقول الدكتور تشودري: "إذا كان المريض لن يستفيد من علاج معين، فمن الأفضل استغلال هذا الوقت في استخدام علاج آخر. وقد ينعكس اتخاذ قرارات مسبقة على تحسين النتائج مباشرةً".

ومن الجدير بالذكر، أن اكتشاف مقاومة محتملة للعلاج المناعي ليس بضرورة أمرًا سيئًا. إذ قد يساعد ذلك على توجيه المرضى نحو علاجات مختلفة تتناسب أكثر مع الطبيعة البيولوجية للورم، وذلك بالاسترشاد بالنمط البيئي المكاني الخاص بالمريض.

تتبع تطور السرطان في الوقت الفعلي

نظرًا لاعتماد الاختبار الجديد على الدم، فإنه يفسح بذلك المجال للمتابعة المستمرة لتطور البيئة المجهرية للورم لدى المريض أثناء فترة العلاج.

حيث لاحظ الباحثون في البيانات الأولية أن التغيرات في الأنماط البيئية المكانية يمكنها الإشارة مبكرًا إلى مدى الاستجابة للعلاج أو مقاومته قبل أشهر من ظهور هذه المؤشرات في الاختبارات التصويرية التقليدية.

يقول الدكتور تشودري: "يفتح لنا هذا نافذة يمكن من خلالها الاطلاع على مسار تغير البيئة المجهرية للورم بمرور الوقت. وهو ما لم يكن ممكنًا مشاهدته عمليًا من قبل".

توسيع نطاق هذا النهج ليشمل أنواع السرطان والأمراض الأخرى

بينما كان تركيز الدراسة الأولية منصبًا على المرضى المصابين بالورم الميلانيني، يُظهر هذا النهج نتائج مبشّرة في علاج أنواع عديدة من السرطان، بما في ذلك سرطان الرئة والمثانة، حيث يكون اتخاذ القرارات العلاجية أكثر تعقيدًا وحساسية من ناحية الوقت. وقد توصل فريق البحث إلى بيانات جديدة، بجانب تلك المنشورة في الدراسة، تُظهر القدرة على التنبؤ بالاستجابات الكاملة لنظام علاجي متعدد قائم على الأجسام المضادة المقترنة بالدواء. كما يعتقد الباحثون أن النهج المدعوم بالتكنولوجيا قد يتجاوز في نهاية المطاف اختبارات السرطان وعلاجاته.

يقول الدكتور تشودري: "الأمر لا يقتصر فقط على السرطان. فهذا النهج قد يقدم لنا فهمًا أعمق لمجموعة واسعة من الأمراض من خلال مساعدتنا على استيعاب البيئات البيولوجية المعقدة داخل الجسم."

وتُجرى حاليًا المزيد من الدراسات للتحقق من دقة الاختبار في مجموعات أكبر من المرضى تمهيدًا لاستخدامه سريريًا. كما يستكشف الباحثون كيف يمكن لأنماط البيئة المجهرية المختلفة للورم التنبؤ بالاستجابة للعلاجات الأخرى بخلاف العلاج المناعي.

يقول الدكتور تشودري: "يفتح هذا العمل آفاقًا جديدة بالكامل لاستكشاف الأمراض. فقد كشفنا الغطاء عن عالم لم يكن مرئيًا لنا من قبل، ويمكننا الآن سبر أغواره باختبار دم بسيط".

يمتلك عادل تشودري، دكتور في الطب وحاصل على الدكتوراه، طلبات حصول على براءات اختراع متعلقة بالخزعة السائلة والمؤشرات الحيوية للسرطان، ولديه حصص ملكية في Droplet Biosciences و LiquidCell Dx. يمتلك آرون نيومان، الحاصل على الدكتوراه، طلبات حصول على براءات اختراع تتعلق بقياس التدفق الخلوي الرقمي، والخزعة السائلة، والمؤشرات الحيوية للسرطان. كما أنه عمل مستشارًا لشركة CiberMed وشركة LiquidCell Dx، ولديه حصص ملكية فيهما.

###

نبذة عن مايو كلينك
مايو كلينك هي مؤسسة غير ربحية ملتزمة بإجراء أبحاث ابتكارية في الممارسات السريرية والتعليم والأبحاث، وكذلك منح التعاطف على أيدي مجموعة من الخبراء لكل شخص يحتاج إلى الشفاء والرد على استفساراته. تفضل بزيارة شبكة مايو كلينك الإخبارية لمعرفة المزيد من أخبار مايو كلينك.

جهة التواصل الإعلامي:

  • جولي فيريس تيلمان، حاصلة على دكتوراه، مايو كلينك للتواصل، البريد الإلكتروني: newsbureau@mayo.edu