العلوم العصبية

دراسة تجريها “مايو كلينك” تحدد أهدافاً دماغية جديدة لعلاج الصرع المخصص لكل مريض

يفحص الدكتور نيك غريغ، أخصائي طب الأعصاب، والدكتورة دورا هيرميس ميلر، مهندسة الطب الحيوي، صوراً للدماغ على جهاز كمبيوتر في مختبر التصوير العصبي متعدد الوسائط.
يفحص الدكتور نيك غريغ، أخصائي طب الأعصاب، والدكتورة دورا هيرميس ميلر، مهندسة الطب الحيوي، صوراً للدماغ على جهاز كمبيوتر في مختبر التصوير العصبي متعدد الوسائط.

روتشستر، ولاية مينيسوتا — نجح باحثون في مايو كلينك في إعداد خريطة تفصيلية للنواة الوسادية، وهي منطقة عميقة داخل الدماغ، بما قد يساعد الأطباء على توجيه علاجات التحفيز الدماغي بدقة أكبر لدى المرضى المصابين بالصرع المقاوم للأدوية.

وتكشف نتائج الدراسة، المنشورة في Journal of Neuroscience، أن مناطق دماغية لا يفصل بينها سوى بضعة مليمترات ترتبط بشبكات عصبية مختلفة تمامًا. ويمثل هذا الاكتشاف مرجعًا تشريحيًا ووظيفيًا يساعد على تحديد الموضع الأمثل لزرع الأقطاب الكهربائية أثناء التحفيز العميق للدماغ، وهو أحد الأساليب العلاجية الواعدة لعلاج الصرع.

واعتمد الباحثون في دراستهم على مرضى مصابين بالصرع المقاوم للأدوية كانوا قد خضعوا بالفعل لزرع أقطاب كهربائية مؤقتة ضمن رعايتهم السريرية. ومن خلال توجيه نبضات كهربائية منخفضة الشدة إلى مناطق مختلفة من النواة الوسادية وقياس استجابات الدماغ لها، تمكّن الفريق البحثي من إعداد خريطة توضّح كيفية تواصل هذه المنطقة الدماغية، التي لا تزال محدودة الدراسة، مع بقية شبكات الدماغ.

وتُعد النواة الوسادية جزءًا من المهاد، وهو تركيب عميق داخل الدماغ يتولى نقل المعلومات الواردة من البصر والسمع واللمس وغيرها من الحواس، كما ينسّق معالجتها. ونظرًا لوقوعها في عمق الدماغ، فقد ظلت الفرص المتاحة لدراسة كيفية ارتباط أجزائها المختلفة بشبكات الدماغ الأخرى محدودة.

وفي هذا السياق، صرّحت الدكتورة دورا هيرميس ميلر، مهندسة الطب الحيوي في مايو كلينك والباحثة الرئيسة للدراسة: "فوجئنا بحجم هذا التركيب الدماغي العميق، وما يتمتع به من درجة عالية من التعقيد والتفاصيل، فضلًا عن إمكاناته الواعدة في توجيه علاجات الصرع."

وتكتسب نتائج الدراسة أهمية مباشرة في الممارسة السريرية، كما تُعزز الجهود البحثية الجارية لتطوير علاجات شخصية للمرضى المصابين بالصرع المقاوم للأدوية. ومن جانبه، قال الدكتور نيك غريغ، استشاري طب الأعصاب في مايو كلينك وأحد المشاركين في الدراسة: "بدأنا بالفعل في الاستفادة من خرائط النواة الوسادية لتخصيص مواضع التحفيز العميق للدماغ لكل مريض على حدة من المصابين بالصرع المقاوم للأدوية، بالتوازي مع مواصلة دراسة ارتباط هذه الخرائط بالنتائج العلاجية طويلة المدى."

لماذا ركز الباحثون على دراسة النواة الوسادية؟

أدرك الباحثون الإمكانات العلاجية للنواة الوسادية أثناء رعايتهم للمرضى المصابين بالصرع المقاوم للأدوية. وضمن الخطة العلاجية لهؤلاء المرضى، جرى زرع أقطاب كهربائية في عدة مناطق من الدماغ، من بينها النواة الوسادية، لتقييم مدى قدرة التحفيز الكهربائي على الحد من نوبات الصرع.

وقالت الدكتورة هيرميس: "كنا نتوقع أن يؤدي تحفيز النواة الوسادية إلى تنشيط الشبكات الدماغية نفسها في كل مرة." وأضافت: "لكننا وجدنا أن بعض المرضى أظهروا تنشيطًا في المناطق الدماغية المسؤولة عن الإبصار، في حين لم يظهر ذلك لدى آخرين." وتابعت: "هذا الاختلاف غير المتوقع دفعنا إلى التساؤل عن السبب."

ومن خلال دراسة شملت 30 مريضًا، توصّل الباحثون إلى أن النواة الوسادية ليست تركيبًا واحدًا متجانسًا كما كان يُعتقد. بل تضم مناطق متخصصة يرتبط كل منها بشبكات دماغية مختلفة مسؤولة عن وظائف مثل الإبصار والذاكرة واللغة والانتباه.

وكان اللافت أن المسافات الفاصلة بين هذه المناطق الفرعية داخل النواة الوسادية صغيرة للغاية. فقد تبيّن أن مناطق لا يفصل بينها سوى 3 مليمترات ترتبط بشبكات دماغية مختلفة تمامًا.

وقالت الدكتورة هيرميس: "يوضح هذا المستوى من الدقة أنه إذا أراد أطباء الأعصاب تثبيط النوبات الناشئة من تلك المناطق، فلا بد من وضع الأقطاب الكهربائية في الموضع الصحيح بدقة متناهية." وأضافت: "وتوفر نتائج هذه الدراسة دليلًا يساعد على تحديد ذلك الموضع."

ماذا تعني هذه النتائج لمستقبل علاج الصرع الشخصي؟

يصيب الصرع أكثر من 50 مليون شخص حول العالم. ورغم العلاج الدوائي، يستمر نحو ثلث المرضى في التعرض لنوبات الصرع. وبالنسبة لكثير من هؤلاء المرضى، يمكن أن يسهم التعديل العصبي — وهو علاج يعتمد على التحفيز الكهربائي لتنظيم نشاط الدماغ — في الحد من تكرار النوبات.

وقال غريغوري ووريل، الحاصل على درجتي الدكتوراه في الطب والدكتوراه البحثية، استشاري طب الأعصاب في مايو كلينك وأحد المشاركين في الدراسة: "توفر هذه النتائج بيانات تتيح استكشاف إمكانية تصميم علاجات التعديل العصبي بصورة أكثر تخصيصًا، بحيث تستهدف شبكات الصرع الخاصة بكل مريض."

ويعمل الباحثون حاليًا على تحديد المناطق المثلى داخل النواة الوسادية التي ينبغي تحفيزها، إضافةً إلى الترددات الكهربائية الأنسب، بهدف تحسين السيطرة على نوبات الصرع مع الحد من الآثار الجانبية إلى أدنى مستوى ممكن.

وقال الدكتور غريغ: "هدفنا هو جعل العلاج أكثر دقة واتساقًا، وفي نهاية المطاف أكثر فاعلية."

وتسلط الدراسة الضوء على الدور التكاملي لمبادرة BIONIC التابعة لمايو كلينك (ابتكار التعديل العصبي الحيوي الإلكتروني من أجل الشفاء)، التي تجمع بين الأطباء والعلماء والمهندسين لتحويل التطورات في علوم الدماغ إلى علاجات شخصية قائمة على التعديل العصبي، بما يسهم في تحسين نتائج علاج المرضى.

للحصول على القائمة الكاملة للمؤلفين والإفصاحات والتمويل، يمكنك الاطلاع على الدراسة.

###

نبذة عن مايو كلينك
مايو كلينك هي مؤسسة غير ربحية ملتزمة بإجراء أبحاث ابتكارية في الممارسات السريرية والتعليم والأبحاث، وكذلك منح التعاطف على أيدي مجموعة من الخبراء لكل شخص يحتاج إلى الشفاء والرد على استفساراته. تفضل بزيارة شبكة مايو كلينك الإخبارية لمعرفة المزيد من أخبار مايو كلينك.

جهة التواصل الإعلامي: